الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

48

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

عاجزا ، فثبت فساد نظام العالم ، فكان القول بوجود إلهين باطلا ، فثبت أن مدبّر العالم إله واحد ، وإذا عرفت حقيقة هذه الدلالة عرفت أن جميع ما في العالم السفلي والعلوي ، دليل على وحدانية اللّه تعالى . فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 22 ) . أي نزهوا اللّه عما يقول الكفار ، بوجود آلهة غير اللّه لأجل هذه الأدلة ، فالاشتغال بالتنزيه إنما ينفع بعد إقامة الأدلة على كون اللّه تعالى منزها فنبّه اللّه تعالى على نكتة خاصة بعيدة الأصنام وهي : كيف يجوز للعاقل ، أن يجعل الجماد الذي لا يعقل شريكا في الألوهية لخالق العرش العظيم ، وموجد السماوات والأرضين ، واللوح والقلم ، ومدبر الخلائق ، من النور والظلمة ، والنباتات ، وأنواع الحيوانات والذات والصفات ؟ لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ أي عما يحكم في عباده من إعزاز ، وإذلال ، وهدى ، وإضلال ، وإسعاد وإشقاء ، لأنه المالك القاهر . وَهُمْ أي العباد يُسْئَلُونَ ( 23 ) . سؤال توبيخ يقال لهم يوم القيامة : لم فعلتم كذا ؟ لأنهم عبيد يجب عليهم امتثال أمر مولاهم ، واللّه تعالى ليس له شريك في الألوهية يقول له : لم فعلت كذا ؟ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً أي بل أوصفوا اللّه تعالى بأن له شريكا وهذا استقباح أمرهم وإظهار جهلهم قُلْ يا أكرم الرسل : هاتُوا بُرْهانَكُمْ على إثبات الآلهة إما من جهة العقل أو من جهة النقل ، كما أتيت أنا ببرهان النقل المؤيد بالعقل . هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي أي هذا إثبات وحدانية اللّه عظة أمتي وعظة الأمم الماضية ، فهم متمسكون على التوحيد فأقيموا أنتم برهانكم على تعدّد الآلهة ، ولا يمكن إثبات التعدد بالبرهان ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ، ولا يميزون بين الحق والباطل ، فَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 24 ) عن استماع الحق ، أي أن وقوعهم في المذهب الباطل ليس لأجل دليل ساقهم إليه ، بل ذلك لأن عندهم ما هو أصل الفساد ، وهو عدم العلم ، ثم تفرّع منه الإعراض عن طلب الحق . وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ( 25 ) ، أي فوحّدوني فالحكمة في بعث الرسل مقصورة على المصلحتين : إثبات وحدانية اللّه تعالى ، وعبادته بالإخلاص . وقرأ حفص وحمزة والكسائي : بالنون . والباقون على صيغة الغائب ، مبنيا للمفعول . وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً أي وقال فرق من أجناس العرب ، وهم : خزاعة ، وجهينة ، وبنو سلمة ، وبنو مليح : الملائكة بنات اللّه ، سُبْحانَهُ أي تنزّه اللّه تعالى تنزيها لائقا بذاته تعالى بَلْ عِبادٌ أي ليست الملائكة كما قالوا ، بل هم عباد اللّه تعالى . فالعبودية تنافي الولدية ، كما أن الولد للإنسان لا يكون عبده . مُكْرَمُونَ ( 26 ) أي مقرّبون عنده تعالى ، ومفضلون على سائر العباد بالعصمة . لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ ، فإنهم يتبعونه في قوله تعالى ولا يقولون شيئا حتى يقوله ، فلا يسبق قولهم قوله وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ( 27 ) أي فلا يعملون عملا ما لم يؤمروا به . يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ أي يعلم ما قدّموا ، وما أخّروا من أعمالهم ، أي لما علموا كونه